الأحد، ١٥ نوفمبر ٢٠٠٩

النحر في عيد الأضحي

الأضــــحية

"تعريف الأضاحي وبيان مشروعيتها"

تعريف الأضاحي:

الأضاحي جمع، مفردها أضحية، والأضحية شاة ونحوها يضحى بها في عيد الأضحى، وقيل: سميت بذلك لأنها تفعل في الضحى -وهو ارتفاع النهار-. وضحى بالشاة ونحوها: ذبحها في الضحى من أيام عيد الأضحى.

وهو في الاصطلاح الشرعي: ما يذبح من النعم -الإبل والبقر والغنم- تقربًا إلى الله تعالى في يوم النحر، وبعده أيام التشريق (أيام عيد الأضحى المبارك) كما سنبينه فيما بعد.

مشروعية الأضاحي:

والأصل في مشروعية الأضحية قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، قال بعض أهل التفسير: "المراد بقوله تعالى (وَانْحَرْ): الأضحية بعد صلاة العيد.

وفي السنة النبوية عن أنس قال: ضحَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده. وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية.

هل الأضحية سنة أم واجبة؟:

ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، وروي ذلك عن أبي

بكر، وعمر، وبلال، وابن مسعود، وبه قال سعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأهل الظاهر، وهو مذهب مالك، والحنابلة. وقال الثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة.

حجة من قال إنها سنة :

الحديث الذي أخرجه مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ". وجه الدلالة بهذا الحديث الشريف أنه -صلى الله عليه وسلم- علَّق التضحية على إرادة المسلم، والواجب لا يعلق على الإرادة، ولكن لو نذرها صارت واجبة بالنذر.

أدلة الوجوب:

واستدل من قال بالوجوب بقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، والأمر للوجوب. وأجيب عن هذا الاستدلال بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له، لا للأصنام، فالأمر يتوجه إلى ذلك؛ لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام، ولا شك في وجوب تخصيص الله تعالى بالصلاة والنحر.

واستدلوا أيضًا بحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه وفيه: "مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا". وجه الاستدلال به أنه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضحّ، دلّ على أنه قد ترك واجبًا، فكأنه لا فائدة في التقرب مع ترك هذا الواجب. وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأن هذا الحديث ليس صريحًا في الإيجاب.

الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها:

هذا وإن الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها، نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، وبهذا قال ربيعة وأبو الزناد، ويدل على ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحَّى، والخلفاء بعده، ولو علموا أن الصدقة بقيمتها أفضل لعدلوا إليها.

ومما يدل على فضلها، وأنها أفضل من الصدقة بقيمتها الأحاديث الواردة بفضلها، من ذلك ما يأتي:

أ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الأَضَاحِيُّ؟ قَالَ:" سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ"، قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ"، قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ".

ب - عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما أنفقت الوَرِق في شيء أفضل من نحر في يوم عيد" رواه الدارقطني.

ج - عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله -عز وجل- بمكان قبل أن يقع على الأرض؛ فطيبوا بها نفسًا". رواه ابن ماجه والترمذي.

التضحية

المقصود بالتضحية وشروطها:

المراد بالتضحية: ذبح الأضحية، وشروطها: (منها) ما يتعلق بمن عليه التضحية أي المضحي، و(منها) ما يتعلق بوقت التضحية.

شروط المضحي ومن يذبح الأضحية:

أولاً: نية الأضحية عند الذبح:

يشترط في التضحية أن ينوي المضحي نية الأضحية عند الذبح، فلا تجزئ الأضحية بدونها؛ لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعل لا يقع قربة بدون النية، فلا يتعين الذبح للأضحية إلا بالنية، وليس على المضحِّي أن يقول عند الذبح عمن هذه الأضحية؛ لأن النية تجزئ في ذلك. قال ابن قدامة: لا أعلم خلافًا في أن النية تجزئ، وإن ذكر من يضحي عنه فحسن.

ثانيًا: يذبحها مسلم:

يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم؛ لأنها قربة، فلا يتولاها غير أهل القربة، وهم المسلمون، فإن استناب من عليه التضحية ذميًا في ذبحها جاز مع الكراهة، وهذا مذهب الحنابلة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.

وحكي عن أحمد: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم، وهو قول مالك. وممن كره ذلك -أي كراهة ذبح الذمي أضحية المسلم- علي، وابن عباس، وجابر -رضي الله عنهم-، وبه قال الحسن، وابن سيرين.

واحتج ابن قدامة لجواز ذبح الذمي لأضحية المسلم مع الكراهة: بأن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم، كما أن الكافر يجوز أن يتولى ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد، فيجوز له أن يتولى للمسلم أيضًا ذبح أضحيته.

ثالثًا: يستحب للمضحي أن يذبح أضحيته بيده رجلاً كان أو امرأة:

ويستحب للمضحي أن يذبح أضحيته بيده، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحَّى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده الشريفة. وهذا الاستحباب يسري على المرأة إذا أرادت أن تضحي كما يسري على الرجل. قال ابن حزم الأندلسي -رحمه الله تعالى-: ويستحب للمضحي رجلاً كان أو امرأة أن يذبح أضحيته أو ينحرها بيده، فإن ذبحها أو نحرها بأمرهِ مسلمٌ غيره أو كتابي أجزأه ذلك.

رابعًا: التسمية عند الذبح:

ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذبح أضحيته قال: "بسم الله، والله أكبر" وكذلك كان يقول ابن عمر، وقال ابن قدامة: ولا نعلم من استحباب هذا خلافًا ولا في أن التسمية مجزئة، وإن نسي التسمية أجزأه. وإن زاد على التسمية فقال: اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني أو من فلان، فهذا حسن، وبه قال أكثر أهل العلم.

وقت التضحية:

أول وقت التضحية إذا مضى من نهار اليوم الأول من عيد الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته، فقد حل أول وقت ذبح الأضحية، ولا يعتبر في هذا التقدير نفس الصلاة، وإنما المعتبر ما تستغرقه من وقت مع الخطبة في أخف ما تجزئ به الصلاة والخطبة. ولا فرق في هذا بين أهل المصر والقرى وغيرهم. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وابن المنذر. والأَوْلى اعتبار وقت التضحية في الأمصار بعد فراغ الإمام من الصلاة وخطبة العيد.

أما آخر وقت التضحية فهو آخر اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فتكون أيام النحر ثلاثة أيام: اليوم الأول من العيدين ويومان بعده -أي أيام العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة-. وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وهو مذهب الحنابلة، قال أحمد بن حنبل: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبهذا قال مالك والثوري وأبي حنيفة. وروي عن علي أن آخر وقت التضحية هو آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي، وهو قول عطاء والحسن.

ما يفعله المضحي بلحم أضحيته:

يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويبقى منها له بحدود ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإن أبقى لنفسه أكثر من ثلثها جاز. وقال الحنفية: ما كثر التصدق به من لحم الأضحية فهو أفضل.

هل يعطى الجزار بدلاً عن أجرته شيئًا من الأضحية؟

قال الحنابلة: لا يعطى الجزار شيئًا من الأضحية بدلاً عن أجرته في ذبح الأضحية. وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولكن إن دفع إلى الجزار شيئًا من الأضحية لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ؛ فهو كغيره بل هو أولى؛ لأنه باشر ذبحها وتاقت نفسه إليها.

هل يجوز بيع شيء من لحم الأضحية أو جلدها؟

قال الحنابلة: لا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا لحمها ولا جلدها، سواء كانت واجبة بالنذر أو كانت تطوعًا. قال الإمام أحمد: لا يبيعها ولا يبيع شيئًا منها. وهذا مذهب الشافعي، ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به غربالاً ومنخلاً. وروي نحو هذا عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق اللحم.

وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء من الأضحية ويتصدق بثمنه. وروي هذا عن ابن عمر:

يبيع الجلد ويتصدق بثمنه، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، إلا أن ابن قدامة الحنبلي لم يجوِّز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها؛ لأنه جعله لله-تعالى-، فلم يجز بيعه، كالوقف، إلا أنه أجاز الانتفاع بجلد الأضحية، وقال: لا خلاف فيه؛ لأنه جزء منها، فجاز له الانتفاع فيه كاللحم. وكان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق