الأحد، 7 مارس، 2010

الرحالة ريتشارد فرانسيس بيرتون (1821-1890)


ريتشارد فرانسيس بيرتون (بالإنجليزية: Richard Francis Burton) مستكشف ومستشرق وعسكري ومترجم بريطاني (ولد في 19 مارس1821 - توفي في 20 أكتوبر1890). اشتهر من خلال ترجمته لحكايات ألف ليلة وليلة.

http://www.arab-ency.com/servers/gallery/3108-1.jpg


حياة الضابط البريطاني السير ريتشارد بيرتون مادة روائية خصبة ومشبعة لكل خيال، فالرجل عاش بالفعل (1821-1890) وارتحل عبر القارات وكان على دراية واسعة ببلاد الهند والجزيرة العربية وأفريقيا، وكان أول أوروبي يدخل متخفيا إلى مكة والمدينة ويزور الأماكن المقدسة واستطاع أن يخوض مغامرات عديدة. مستلهما حياة ريتشارد بيرتون والكتابات التي خلفها، كتب الروائي إيليا ترويانوف المولود عام 1965 في صوفيا ببلغاريا رواية ضخمة عن هذا الرجل "جامع العوالم"، وهو العنوان الذي حملته الرواية. نجحت هذه الرواية نجاحا فائقا وتخطت كونها مجرد قصة غنية بالصور والتفاصيل الحية.
ربما وجد بيرتون في ترويانوف توأما لروحه، فالروائي ذو الأصل البلغاري، هو أيضا رحالة بين العوالم، فقد هرب مع أسرته عام 1971إلى ألمانيا عبر يوغسلافيا وإيطاليا ، وحصلوا على اللجوء السياسي بها، ثم ترعرع في كينيا بدءا من عام 1972، وفي منتصف الثمانينات جاء إلى ميونيخ لدراسة القانون والإثنولوجيا، وأسس دارا للنشر عام 1989، ثم تلى ذلك تأسيسه لدار أخرى عام 1991. وفي عام 1999 انتقل إلى بومباي لعدة أعوام والآن يعيش في كيب تاون بجنوب إفريقيا. يكتب بالألمانية بشكل رائع ومتميز جدا، ما جعل روايته "جامع العوالم" تحصل على جائزة معرض لايبزغ للكتاب لعام 2006. في روايته الأولى "العالم كبير والخلاص يتربص في كل مكان" أثبت ترويانوف أنه روائي يتميز سرده بالحيوية، وبسلاسة ونعومة يحيك العديد من المشاهد والقصص المبهرة في نسيج أدبي جذاب.
من المريح جدا أن ترويانوف لم يرضخ في كتابة روايته "جامع العوالم" للإغواء الأسهل والأقرب وهو إعادة سرد حياة بيرتون الحافلة بالأحداث بشكل زاه وملون، فبيرتون اشتغل كعميل في إيران والهند وسافر كتاجر عربي إلى الصومال وكطبيب أفغاني عبر الجزيرة العربية، ووصل كأول أوروبي إلى بحيرة تنجانيقا، وعبر القارة الأمريكية وأنهى في أعوامه الأخيرة ترجمة لـ"ألف ليلة وليلة" ولكتاب "الكاماسوترا" الهندي مصحوبة بتعليقاته. إلى ذلك كان الضابط بيرتون عبقرية لغوية فذة، تعلم خلال رحلاته ثلاثين لغة. يا لها من مادة روائية، لكن أي خيال أو تأليف يمكن أن يضيفه المرء إليها؟ قام ترويانوف بعمل حساباته جيدا وقام بعزل ثلاثة أجزاء من حياة بطله عن بعضها البعض: السنون التي قضاها في شبه القارة الهندية، والرحلة التي تلت ذلك إلى مكة وأخيرا الرحلة الاستكشافية لمنابع النيل في أفريقيا.
قرار ترويانوف رواية كل جزء من الأجزاء الثلاثة، دائما من منظور مختلف بعض الشيء، كان اختيارا فنيا ذكيا، ففي الجزء الأول نطالع مذكرات ناوكارام خادم بيرتون، وفي الجزء الثاني نقرأ ما دونه بيرتون عن رحلته، وفي الجزء الثالث تتقاطع حكايات بيرتون مع الروايات الشفاهية لعبده.
ما كاد الضابط أن يصل من إنجلترا إلى الهند الغربية البريطانية حتى دخل مع الهنود في مقايضة جذابة: نبيذ البورتو مقابل أن يعلموه مفردات لغتهم، هكذا يروي خادم بيرتون، وبيرتون تعلم سريعا وأخذ دروسا في اللغة السنسكريتية على يد أحد الكهنة البراهمانيين وتعرف على تنوع وتعدد الثقافات الروحية والدينية في البلاد. ربما تمكن ترويانوف في هذا الجزء من الرواية من تقديم أكثر الفقرات قوة وتأثيرا في مجمل العمل، فقليلا ما قرأ المرء وصفا مشابها للأجواء الصاخبة الضاغطة لبومباي المكتظة، وصفا مجسدا وحيويا ومباشرا حد الألم، مثلما في الفقرة التالية: "أحيانا كانت المدينة المنتفخة تتجشأ. فتصبح للأشياء رائحة، وكأن عصارة معدية غشيتها. على طرف الشارع تمدد نعاس لم يهضم بعد تماما، سرعان ما سيذوب وينتشر". عندما يصور ترويانوف بالتفصيل الدقيق صخب الأسواق وتهامس التجار والمومسات وشائعات البيوت والساحات، يظن المرء أنه يستطيع يستشعر ملمس ما يقرأه. الجزء الأوسط من الرواية يحكي بالدرجة الأولى عن الإصرار الشديد الذي يتتبع به الرحالة الإنجليزي أهدافه. لقد دخل في الإسلام، من ناحية ليعبر عن احترامه للثقافة الإسلامية، ومن ناحية أخرى لكي يتمكن من زيارة الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، والتي كانت ممنوعة على غير المؤمنين. في الجزء الثالث من الرواية نتابع بأعين رفيق آخر لبيرتون وهو العبد سيدي مبارك بومباي، رحلة بيرتون لاستكشاف منابع النيل والتي كلفته الكثير من التنازلات وذلك من أجل أن يكون أول من وصل إلى هذه المنطقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق